محمد بن علي الشوكاني
5079
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ولا من بعدهم ، وأنهم جميعا لم ينزلوا باليهود شيئا من الخزي المراد لله ، ونحو هذا من اللوازم ، فلنقف عند قوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( 1 ) . على أنه لا يستفاد من هذه الآية وهي قوله : { لهم في الدنيا خزي } ( 2 ) الأمر لنا بإيقاع الخزي ، إنما أمرنا بأوامر أخرى أن نقاتلهم ، ونسبي ذاراريهم ، ونصطفي أموالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون ، فهذه الآية إنما هي وصف لهم بالخزي ، والخزي بالفعل مفارقهم في كثير من الأحوال ، ولذا قال القاضي : إن المراد [ 9 ] أنهم أهل لكل فرد من الأفراد الموجبة للخزي ، ولم نقض بأنه واجب علينا إنزال كل فرد من أفراد الخزي لهذه الآية . وأعلم أنه قد بنى - حماه الله - على أن التنكير إما للتكثير ، أو للتعظيم أو مجموعهما وأنه لا يصح القصد إلى فرد من أفراد الخزي ، أو إلى نوع منه لعدم مناسبته لمقام الوعيد الشديد . أقول : لا يجوز أن يكون التنكير للنوعية مع إرادة التعظيم ، ولا منافاة بين إرادة النوعية والتعظيم ، كما صرح به علماء البيان ، فيكون معنى الآية على هذا نوع عظيم من الخزي كما قيل في قوله تعالى : { وعلى أبصراهم غشاوة } ( 3 ) ولا مانع من ذلك ، وذلك مناسب للمقام ، ومعارض لما أيده القاضي - حماه الله - من أن التنكير للتكثير والتعظيم ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال لا سبيل إلى القطع بما قاله القاضي ، وأن مراد الله ذلك . قال : الدليل الرابع : قول الله - عز وجل - مخاطبا لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ :
--> ( 1 ) [ التوبة : 29 ] . ( 2 ) [ البقرة : 114 ] . ( 3 ) [ البقرة : 7 ] .